المرجع الموثوق للقارئ العربي

ما هو حد الزاني البكر في الإسلام بمذاهبه الأربعة؟

كتابة : أيوب شامية

ما هو حد الزاني البكر في الإسلام بمذاهبه الأربعة؟ من الأحكام التي يبحث عنها الكثير من المسلمين، حيث وضعت الشريعة الإسلاميّة حدودًا يمنع من خلالها المسلمين من ارتكاب المحرّمات، قال تعالى في كتابه الكريم: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا}، لذا يهتمّ موقع المرجع ببيان بعض أحكام الزنا والحدود التي جعلتها الشريعة الإسلاميّة بالمذاهب الأربعة المختلفة.

حكم الزنا في الإسلام

قبل كلّ شيء وقبل الخوض في بيان ما هو حدّ الزاني البكر في الإسلام بمذاهبه الأربعة؟ لا بدّ من بيان حكم الزنا في الإسلام، فقد حرّم الخالق -سبحانه وتعالى- الزنا بأمرٍ قطعيّ، وعدّه من الفواحش والكبائر، وقد قال الله تعالى في سورة النساء: {وَٱلَّٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ ۖ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا}.[1] كذلك ورد في السنّة النبويّة بعض أحاديث الرسول الكريم -صلّى الله عليه وسلّم- التي بيّنت خطورة الزنى، ومن هذه الأحاديث سيتمّ ذكر ما يأتي:

  • عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: “سَأَلْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قالَ: أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ. قُلتُ: إنَّ ذلكَ لَعَظِيمٌ، قُلتُ: ثُمَّ أيُّ؟ قالَ: وأَنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ تَخافُ أنْ يَطْعَمَ معكَ. قُلتُ: ثُمَّ أيُّ؟ قالَ: أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ“.[2]
  • كذلك روى أبو هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قال: “إذا زنى الرجلُ خَرَجَ منه الإيمان ُ، كان عليه كالظُّلَّةِ ، فإذا انقَطَعَ رَجَعَ إليه الإيمانُ“.[3]

شاهد أيضًا: حكم اتهام الزوج لزوجته بالزنا

ما هو حد الزاني البكر في الإسلام بمذاهبه الأربعة؟

إنّ حد الزاني البكر في الإسلام بمذاهبه الأربعة هو الجلد مئة جلدة للرجال والنساء، وذلك نزولًا عند قول الله تعالى في سورة النور: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٍۢ مِّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍۢ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}،[4] أمّا ما اختلف به العلماء في المذاهب الأربعة فهو النفي للزاني، والجمع بين الجلد والتغريب أو النفي:

  • المذهب الحنفي: عقوبة الزاني هي الجلد فقط وهو ما أوجبته الشريعة الإسلامية ولا يجب أن يكون هنالك زيادةٌ على النص، وقد استدلّوا بذلك على الحديث الصحيح مما روي عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه: “أنَّ رجلًا أتاه ، فأقرَّ عنده أنَّه زنَى بامرأةٍ سمَّاها . فبعث رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، إلى المرأةِ فسألها عن ذلك ، فأنكرت أن تكونَ زنت ، فجلده الحدَّ وتركها“.[5]
  • المذهب المالكي: قالوا: “يجب تغريب البكر الحر الزاني، دون المرأة البكرة الحرة الزانية فإنها لا تغرب لأنها عورة”.
  • المذهب الشافعي والحنبلي: واللذان جمعا بين الجلد والنفي لمسافةٍ تقصر فيها الصلاة، شريطة أن تغرّب المرأة مع محرمٍ لها، واستدلّوا بذلك على حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قال: “خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قدْ جَعَلَ اللَّهُ لهنَّ سَبِيلًا، البِكْرُ بالبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ ونَفْيُ سَنَةٍ، والثَّيِّبُ بالثَّيِّبِ جَلْدُ مِئَةٍ، والرَّجْمُ“.[6]

شاهد أيضًا: تفسير حلم الزنا في المنام لابن سيرين والنابلسي وابن شاهين

حد الزاني المحصن

كذلك الخوض في بيان ما هو حد الزاني البكر في الإسلام بمذاهبه الأربعة؟ يقتضي بيان حد الزاني المحصن، حيث اتفق أهل العلم على أنّ حدّ الزاني المحصن هو الرجم، وفي ذلك قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: “أما الرجم فهو مجمع عليه، وحكى في البحر عن الخوارج أنه غير واجب،
وكذلك حكاه عنهم أيضا ابن العربي، وحكاه أيضا عن بعض المعتـزلة كالنظام
وأصحابه ولا مستند لهم إلا أنه لم يذكر في القرآن وهذا باطل، فإنه قد ثبت بالسنة المتواترة المجمع عليها”، وقد استدلّ أهل العلم بذلك على أحاديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

  • عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قال: “لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بإحْدَى ثلاثٍ: رَجُلٌ كَفَرَ بعدَ إسلامِهِ، أوْ زَنَى بعدَ إحصانِهِ، أوْ قَتَلَ نفْسًا بغيرِ نفْسٍ“.[7]
  • عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني -رضي الله عنهما- في صحيح الحديث: “إنَّ رَجُلًا مِنَ الأعْرَابِ أَتَى رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ، أَنْشُدُكَ اللَّهَ إلَّا قَضَيْتَ لي بكِتَابِ اللهِ، فَقالَ الخَصْمُ الآخَرُ: وَهو أَفْقَهُ منه نَعَمْ، فَاقْضِ بيْنَنَا بكِتَابِ اللهِ وَأْذَنْ لِي، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: قُلْ، قالَ: إنَّ ابْنِي كانَ عَسِيفًا علَى هذا، فَزَنَى بامْرَأَتِهِ، وإنِّي أُخْبِرْتُ أنَّ علَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ منه بمِئَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ، فَسَأَلْتُ أَهْلَ العِلْمِ، فأخْبَرُونِي أنَّما علَى ابْنِي جَلْدُ مِئَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأنَّ علَى امْرَأَةِ هذا الرَّجْمَ، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ، لأَقْضِيَنَّ بيْنَكُما بكِتَابِ اللهِ، الوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ، وعلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِئَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَاغْدُ يا أُنَيْسُ إلى امْرَأَةِ هذا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا. قالَ: فَغَدَا عَلَيْهَا، فَاعْتَرَفَتْ، فأمَرَ بهَا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ فَرُجِمَتْ“.[8]
  • كذلك روى عبد الله بن عباس -رضي الله عنه- في الصحيح من الحديث: “قالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ وَهو جَالِسٌ علَى مِنْبَرِ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: إنَّ اللَّهَ قدْ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ بالحَقِّ، وَأَنْزَلَ عليه الكِتَابَ، فَكانَ ممَّا أُنْزِلَ عليه آيَةُ الرَّجْمِ، قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا، فَرَجَمَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فأخْشَى إنْ طَالَ بالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: ما نَجِدُ الرَّجْمَ في كِتَابِ اللهِ فَيَضِلُّوا بتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ، وإنَّ الرَّجْمَ في كِتَابِ اللهِ حَقٌّ علَى مَن زَنَى إذَا أَحْصَنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إذَا قَامَتِ البَيِّنَةُ، أَوْ كانَ الحَبَلُ، أَوِ الاعْتِرَافُ“.[9]

شاهد أيضًا: حكم قهر الزوج لزوجته وعقابها في الإسلام

أقوال العلماء في ثبوت حد الرجم للزاني

كذلك الخوض في بيان ما هو حد الزاني البكر في الإسلام بمذاهبه الأربعة؟ يقتضي الخوض في ذكر أقوال العلماء في ثبوت حد الرجم للزاني فيما يأتي:[10]

  • الإمام النووي: “أجمع العلماء على أن الرجم لا يكون إلا على من زنى وهو محصن، وأجمعوا على أنه إذا قامت البينة بزناه وهو محصن يرج”.
  • الإمام ابن قدامة: “الكلام في هذه المسألة في فصول ثلاثة: أحدهما في وجوب الرجم على الزاني المحصن، رجلاً كان أو امرأة، وهذا قول عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار في جميع الأعصار، ولا نعلم فيه مخالفاً إلا الخوارج فإنهم قالوا: الجلد للبكر والثيب”.
  • الإمام العيني: “قوله: بترك فريضة أنزلها الله أي في الآية المذكورة التي نسخت تلاوتها وبقي حكمها، وقد وقع ما خشيه عمر ـ رضي الله تعالى ـ عنه فإن طائفة من الخوارج أنكروا الرجم، وكذا بعض المعتزلة أنكروه”.
  • الإمام ابن عبد البر: ومعنى قول الله عز وجل: الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، معناه الأبكار دون من قد أحصن، وأما المحصن فحده الرجم إلا عند الخوارج، ولا يعدهم العلماء خلافا لجهلهم، وخروجهم عن جماعة المسلمين، وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم المحصنين، فممن رجم ماعز الأسلمي، والغامدية، والجهنية، والتي بعث إليها أنيسا، ورجم عمر بن الخطاب سخيلة بالمدينة، ورجم بالشام، وقصة الحبلى التي أراد رجمها فقال له معاذ بن جبل: ليس لك ذلك؛ للذي في بطنها، فإنه ليس لك عليه سبيل، وعرض مثل ذلك لعثمان بن عفان مع علي في المجنونة الحبلى، ورجم علي شراحة الهمدانية، ورجم أيضا في مسيره إلى صفين رجلا أتاه مقرا بالزنا، وهذا كله مشهور عند العلماء. اهـ. وقال: وأما أهل البدع من الخوارج والمعتزلة فلا يرون الرجم على أحد من الزناة ثيبا كان أو غير ثيب، وإنما حد الزناة عندهم الجلد، الثيب وغير الثيب سواء عندهم، وقولهم في ذلك خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلاف سبيل المؤمنين، فقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، والخلفاء بعده، وعلماء المسلمين في أقطار الأرض متفقون على ذلك من أهل الرأي والحديث، وهم أهل الحق“.

شاهد أيضًا: حكم تزويج المرأة نفسها

ما هو حد الزاني البكر في الإسلام بمذاهبه الأربعة؟ مقالٌ بيّن حكم الزنا في الشريعة الإسلامية، وبين الحدود الشريعة للزاني البكر والمحصن، وفي الختام ذكر المقال أقوال أهل العلم في ثبوت حد الرجم للزاني.

المراجع

  1. سورة النساء , الآية 15
  2. صحيح البخاري , البخاري/عبد الله بن مسعود/4477/صحيح
  3. صحيح أبي داود , الألباني/أبو هريرة/4690/صحيح
  4. سورة النور , الآية 2
  5. صحيح أبي داود , الألباني/سهل بن سعد الساعدي/4466و4437/صحيح
  6. صحيح مسلم , مسلم/عبادة بن الصامت/1690/صحيح
  7. صحيح النسائي , الألباني/عثمان بن عفان/4031/صحيح
  8. صحيح مسلم , مسلم/أبو هريرة وزيد بن خالد الجهني/1679/صحيح
  9. صحيح مسلم , مسلم/عبد الله بن عباس/1691/صحيح
  10. islamweb.net , أقوال أهل العلم في ثبوت حد الرجم للزاني المحصن , 20/12/2021

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.