المرجع الموثوق للقارئ العربي

هل يعاقب الله الآباء في أبنائهم

كتابة : وسام محمد

هل يعاقب الله الآباء في أبنائهم، الكثير من الآباء مبتلى في أبنائه، فمنهم من يلد طفل ويجده معاق، ومن يفقد أبناؤه، ومنهم من ينشأ أبناؤه على المعاصي، وهناك من يبتلى بأبناء عاقين لوالديهم، ويلقي حينها الأب المرتكب للذنوب والآثام اللوم على حاله ويظن أن هذا العقاب إنما سببه هو ما بدر منه من ذنوب ومعاصي، فما أصل هذا الأمر في الشرع، هذا هو ما سنوضحه في مقالنا الذي يعرض من خلال موقع المرجع، حيث سنجيب فيه على هذا السؤال الذي يدور في ذهن الكثير من الآباء، مع ذكر الأدلة الشرعية.

الأبناء وذنوب الآباء

كما نعلم أن الله ليس بظلام للعبيد، فوردت الكثير من الآيات الدالة على أن الله لا يعاقب شخص على ما فعله شخص آخر، فقال تعالى (ولا تَزِرُ وازِرةٌ وِزْرَ أُخْرَى )[1]، وقال (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ )[2] ، ولكن هذا الأمر إنما يختص بالعقاب في الآخرة، أما في الدنيا فقد ينزل الله العذاب الجماعي الذي ينال من المفسد والمصلح نتيجة شيوع الفواحش والمعاصي، ويدخل في ذلك أيضًا ما يصيب أسرة بأكملها من ابتلاء نتيجة فساد الآباء، كما في حديث البخاري ومسلم” يَغْزُو جَيْشٌ الكَعْبَةَ، فإذا كانُوا ببَيْداءَ مِنَ الأرْضِ، يُخْسَفُ بأَوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ. قالَتْ: قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، كيفَ يُخْسَفُ بأَوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ وفيهم أسْواقُهُمْ ومَن ليسَ منهمْ؟ قالَ: يُخْسَفُ بأَوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ علَى نِيَّاتِهِمْ. ”[3].، ودعاء المؤمنين أيضًا في كل زمان (ربنا لا تؤاخِذنا بما فعل السُّفهاءُ مِنّا).

شاهد أيضًا: خريطة مفاهيم عن ليلة القدر

هل يعاقب الله الآباء في أبنائهم

اختلف الفقهاء في عقوبة الآباء في أبنائهم، وظن كثير من الأشخاص أن ما يقع على أولادهم من ابتلاءات يكون سببها الآباء، فيلوم الرجل حاله على ما يصيب أسرته وأبنائه خاصة إذا كان الأب مذنب أو يرتكب شيء مما حرم الله صغيرًا كان أم كبيرًا، فكان هذا الاختلاف على النحو التالي:

لا يشترط أن يكون الابتلاء بسبب ذنوب الآباء

ذهب بعض العلماء إلى أنه لا يشترط أن يكون ابتلاء الأبناء بسبب ذنوب الآباء فالأصل في ذلك قوله تعالى {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}[1]، وعن سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أبيه قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حجة الوداع: ألا لا يجني جان إلا على نفسه، لا يجني والد على ولده، ولا مولود على والده).[4]

شاهد أيضًا: من هم اهل الله وخاصته

نفي عقوبة الآباء في أبنائهم

وذهب الرأي الآخر للعلماء إلى أن فساد الأبناء من فساد الآباء، وصلاح الأبناء من صلاح الآباء، لذلك يعد فساد الأبناء ابتلاء للآباء بسبب فسادهم والدليل على ذلك ما قاله الهيتمي في كتاب الزواجر عن اقتراف الكبائر:

قال الهيتمي: فَالْقِصَاصُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيك أُخِذَ مِنْ ذُرِّيَّتِك، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا} [5] فَإِنْ كَانَ لَك خَوْفٌ عَلَى صِغَارِك وَأَوْلَادِك الْمَحَاوِيجِ الْمَسَاكِينِ فَاتَّقِ اللَّهَ فِي أَعْمَالِك كُلِّهَا لَا سِيَّمَا فِي أَوْلَادِ غَيْرِك، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَحْفَظُك فِي ذُرِّيَّتِك وَيُيَسِّرُ لَهُمْ مِنْ الْحِفْظِ وَالْخَيْرِ وَالتَّوْفِيقِ بِبَرَكَةِ تَقْوَاك مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُك بَعْدَ مَوْتِك وَيَنْشَرِحُ بِهِ صَدْرُك، وَأَمَّا إذَا لَمْ تَتَّقِ اللَّهَ فِي أَوْلَادِ النَّاسِ وَلَا فِي حُرُمِهِمْ، فَاعْلَمْ أَنَّك مُؤَاخَذٌ فِي ذَلِكَ بِنَفْسِك وَذُرِّيَّتِك وَأَنَّ مَا فَعَلْتَهُ كُلَّهُ يُفْعَلُ بِهِمْ. فَإِنْ قُلْت: هُمْ لَمْ يَفْعَلُوا فَكَيْفَ عُوقِبُوا بِزَلَّاتِ آبَائِهِمْ وَانْتُقِمَ مِنْهُمْ بِمَعَاصِي أُصُولِهِمْ؟ قُلْت: لِأَنَّهُمْ أَتْبَاعٌ لِأُولَئِكَ الْأُصُولِ وَنَاشِئُونَ عَنْهُمْ. {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلا نَكِدًا}. [6]. {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} [7] . قِيلَ كَانَ ذَلِكَ الصَّالِحُ هُوَ الْجَدُّ السَّابِعُ لِأُمٍّ.

شاهد أيضًا: هل وسواس الموت ابتلاء من الله

ما يزرعه الآباء يحصده الأبناء

إن أحسن الآباء في تربية أبنائهم فلهم، وإن أساؤوا فعليهم، وأفضل استثمار يمكن أن يستثمره المرء في حياته هو تربية أبناءه وتنشئتهم بشكل صحيح، فالكثير من الآباء من الآباء أضاعوا أوقاتهم في الله وراء الأموال التي لا فائدة لها مقابل ضياع أبنائهم وانحرافهم، ومع ذلك قد يحسن الآباء تربية أبنائهم ويجتهدون في ذلك وفي المقابل لا يجدون فائدة ويتجه أولادهم رغمًا عنهم إلى طريق الانحراف.

وفي ختام مقال هل يعاقب الله الآباء في أبنائهم، نكون قد وضحنا حكم المسألة بالأدلة الشرعية، كما ذكرنا أهمية أن يحسن الأب تربية أبنائه وأهمية أن يكون قدوة حسنة لهم.

المراجع

  1. سورة فاطر , الآية 18
  2. سورة الطور , الآية 21
  3. صحيح البخاري ،البخاري , عائشة أم المؤمنين ، 2118 ،[صحيح]
  4. تحفة المحتاج ،ابن الملقن , عمرو بن الأحوص ،2/460 ،[صحيح]
  5. سورة النساء , الآية 9
  6. سورة الأعراف , الآية 58
  7. سورة الكهف , الآية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.