المرجع الموثوق للقارئ العربي

ما هي فتنة القبر

كتابة : يحيى شامية

ما هي فتنة القبر؟ من الأسئلة المهمّة التي تدور على أذهان المسلمين، والتي سيتمّ بيانها في هذا المقال، حيث إنّ الله -سبحانه وتعالى- خلق الحياة الدّنيا وجعل فيها الإنس والجن لغاية وحكمة، وجعل الدّنيا دار ابتلاءٍ واختبارْ وامتحان، وجعل بعدها الدّار الآخرة وهي دار القرار ودار البقاء والخلود، وبين الدّارين كان الموت هو المعبر والباب الذي ينهي الأولى ويبدأ الثانية، والذي هو حقٌّ على كلّ مخلوقٍ من مخلوقات الله، ويهتمّ موقع المرجع ببيان مصير الإنسان بعد الموت، وتوضيح ما معني فتنة القبر والفرق بينها وبين عذاب القبر.

الحياة والموت

قبل معرفة ما هي فتنة القبر فإنّه من اللازم توضيح أنّ الاستخلاف في الأرض والحياة فيها فتنةٌ وابتلاء، فالله خلق الإنس والجنّ لغايةٍ واحدة في الدّنيا، وهي العبادة، قد خلق لهم الأشياء الدنيوية لينتفعوا بها ويستعينوا بها على طاعته، وسخّر لهم ما في الكون كلّه ليدركوا هذه الغاية، ونهاية هذه الحياة هو الموت، وقد قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ}.[2] فقد أذلّ الله ابن آدم بالموت وجعل دار الدنيا دار حياةٍ وفناء، وجعل الآخرة دار جزاءٍ وبقاء، فالموت مكتوبٌ على الخلق جميعًا، فيموتون ويُقبرون ثمّ يُبعثون مرّةً أخرى يوم البعث، قال تعالى في سورة البقرة: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.[3] فالموت هو النهاية المحتومة لكلّ حيٍ في الدار الدنيا، ولا مفرّ منه ولا هروب.

شاهد أيضًا: ماذا يرى الإنسان قبل الموت بأيام

ما هي فتنة القبر

إنّ فتنة القبر هي الابتلاء والامتحان والاختبار وهي سؤال الملكين للميت واختباره، وقد ثبت بالكثير من الأدلّة الشرعية الصحيحة في الكتاب والسّنة النبوية، أنّ الله -سبحانه وتعالى- قد أوكل ملكين من الملائكة بسؤال الميّت ثلاثةً من الأسئلة، من ربّك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ ففي الحديث الذي رواه الصحابي الجليل البراء بن عازب -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنّه قال: “فتُعادُ رُوحُه ، فيَأتِيهِ مَلَكانِ ، فيُجْلِسانِه ، فيَقولانِ له : مَن ربُّكَ ؟ فيقولُ : رَبِّيَ اللهُ ، فيَقولانِ له : ما دِينُكَ ؟ فيَقولُ : دِينِيَ الإِسلامُ ، فيَقولانِ له : ما هذا الرجلُ الذِي بُعِثَ فِيكُمْ ؟ فيَقولُ : هو رسولُ اللهِ ، فيَقولانِ له ومَا عِلْمُكَ ؟ فيَقولُ : قَرأتُ كِتابَ اللهِ فآمَنتُ به وصَدَّقْتُ ، فيُنادِي مُنادٍ من السماءِ أنْ صَدَقَ عَبدِي ، فَأفْرِشُوه من الجنةِ ، وألْبِسُوهُ من الجنةِ ، وافْتَحُوا له بابًا إلى الجنةِ ، فيَأتِيهِ من رَوْحِها وطِيبِها ، ويُفسحُ له في قَبرِهِ مَدَّ بَصرِهِ ، ويَأتِيهِ رَجلٌ حَسَنُ الوَجهِ ، حَسنُ الثِّيابِ ، طَيِّبُ الرِّيحِ ، فيَقولُ : أبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ ، هذا يَومُكَ الذي كُنتَ تُوعَدُ ، فيقولُ لهُ : مَن أنتَ ؟ فوجْهُكَ الوَجْهُ يَجِيءُ بِالخيرِ ، فيَقولُ : أنَا عَملُك الصالِحُ ، فيَقولُ : رَبِّ أقِمِ السَّاعَةَ ، رَبِّ أقِمِ الساعَةَ”.[1] وهذا حال المؤمن في فتنة القبر، أمّا الكافر فيلاقي الويلات والعذابات، وقد استعاذ النّبي -صلى الله عليه وسلم- من فتنة القبر وعذابه.[4]

شاهد أيضًا: حكم رش الماء على القبر

حال الكافر في فتنة القبر

بعد بيان ما هي فتنة القبر والتّعرف على حال المسلم عند سؤال الملكين له، بالرّغم من هول الأمر على الإنسان، لكنّ الله يثبّت عباده المؤمنين، أمّا حال الكافر في فتنة القبر فهي من أسوأ الأحوال وعليه يكون الهول من أشدّ ما يكون، ويكمل الصحابي الجليل البراء بن عازب في حديثه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيصف حال الكافر في فتنة القبر فيقول: “قال: فتُعَادُ رُوحُهُ في جَسَدِهِ، ويَأْتِيهِ ملَكَانِ فَيُجْلِسَانِه، فيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فيَقُولُ: هَاهَا لا أدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: ومَا دِينُكَ؟، فَيَقُولُ: هَاهَا لا أدْرِي فيَقُولانِ له: ما هذا الرَّجلُ الذي بُعِثَ فِيكُم؟ فيَقولُ: هَاه هَاه لا أدْرِي، فيُنادِي مُنادٍ من السماءِ: أنْ كَذَبَ عَبدِي، فأفْرِشُوهُ من النارِ، وافْتَحُوا له بابًا إلى النَّارِ، قال: فَيَأْتِيهِ من حَرِّهَا وسَمُومِهَا، ويُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ، حتى تَخْتَلِفَ عَلَيْهِ أضْلَاعُهُ، ويَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ، وقَبِيحُ الثِّيَابِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أبْشِرْ بِالَّذِي يسوؤك هذا يَوْمُكَ الذي كُنْتُ تُوعَدُ، فَيَقُولُ: مَنْ أنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ، فَيَقُولُ: أنا عَمَلُكَ الخَبِيثُ فيَقُولُ: ربِّ لا تُقِمِ السَّاعةَ”.[1]

ما هي ضمة القبر

عندما يضع الناس الميت في القبر فإنّ القبر يضمّه، وهي ضمّةٌ لا ينجو منها أحدٌ من الخلق كبيرُا أو صغيرًا صالحًا أو طالحًا، فبينما الإنسان الميت مدهوشًا ومرهوبًا، ولم يستفق من تلك الكربة وهذا الهول الذي هو فيه، تتحرّك جدران القبر وتتقارب عليه، ويضيق القبر ويضغطه على جانبيه، وقيل أنّ ضمّة القبر تكون لأنّ البشر أصلهم من تراب، وأنّ الأرض تعدّ أمّهم، ومنها خلقوا، فلما ردّهم الله إليها ضمّتهم كما تضمّ الأمّ ولدها، فمن كان منهم مؤمنًا ضمته برفق ومن كان عاصيًا ضمّته بسخط، وقد ورد عن الإمام الذّهبي أنّه قال: “هذه الضمة ليست من عذاب القبر في شيء، بل هو أمر يجده المؤمن، كما يجد ألم فقد ولده وحميمه في الدنيا، وكما يجد من ألم مرضه وألم خروج نفسه” فهي ليست من عذاب القبر ولا فتنته، وتختلف باختلاف الناس فالكافر تختلف عليه أضلاعه، أمّا المؤمن فيعود قبره ويفسح عليه والله أعلم.[5]

شاهد أيضًا: صلاة الميت كم ركعة

سؤال الملكين للميت

إنّ سؤال الملكين للميت هو أمرٌ مكتوبٌ ومحتومٌ على كلّ إنسانٍ يموت في هذه الدنيا، وسؤال الملكين للميت بيان ما هي فتنة القبر، فالمسلم عندما يبحث عن معنى فتنة القبر سيجد أنّها ملكين يوكّلهما لله بخلقه بعد أن يدفنوا مباشرةً يشتهران باسم منكر ونكير، يأتيان المسلم المؤمن ويسألانه من ربك وما دينك ومن نبيك فيجيب بأحسن ما يكون، وينال من البرّ من أحسنه، ويأتيان الكافر فيسألانه بذات الأسئلة، فيجيب بأسوأ ما يكون، ولا يجيب بالحقّ، فينال من العذاب أسوأه ومن السخط أعظمه والله أعلم.

ما المقصود بالقبر

إنّ الخوض ببيان ما هي فتنة القبر تدفع لتوضيه معنى القبر وماهيته، وقد ورد عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “إنَّ القبرَ أوَّلُ منازِلِ الآخرَةِ فإن نجا منهُ فما بعدَه أيسَرُ منهُ وإِن لَم يَنجُ مِنهُ فما بعدَه أشدُّ منهُ”.[6] والقبر في اللغة العربية من الفعل قَبَرَ ويعني دفن ووارى التراب، والقبر هو مدفن الميت، ويقال قبرت الميت أي دفنته، أمّا إصلاحا فيعرف أنّه المكان الذي يدفن فيه الميت وهو مقرّه والحفرة التي يستقرّ فيها، وهو من الأمور التي كرّم بها ربّ العالمين بنو الإنسان، حتّى لا يبقى موتاهم عرضةً للجوارح، وحتّى لا تبد منهم سوءاتهم والله أعلم.

شاهد أيضًا: الحقوق الواجبة للميت فرض عين

كيف ينجو المسلم من فتنة القبر

ما هي فتنة القبر وكيف ينجو المسلم منها من الأسئلة التي تؤرّق الكثير من المسلمين، وهي تمثّل مرحلةً مفزعة من الانتقال لما فيه فزع وخوف، لكنّ الإسلام جاء بالأعمال والسّبل التي إذا عمل بها المسلم أنجاه الله من فتنة القبر وعذابه، والتي منها:[7]

  • المرابطة في سبيل الله: والرباط يكون بحراسة حدود دول المسلمين ضدّ عدوان الكفار وغيرهم، وصحّ في الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنّه من المنجيات من فتنة القبر.
  • الشهادة في سبيل الله: والشّهادة تكون بالموت قتلًا في الجهاد في سبيل الله، والشهيد سمّي شهيدًا لأنّ الله وملائكته شهدوا له بالجنّة، وهو حيٌّ شاهدٌ حاضرٌ، والشهيد ممّن لا يفتنون في القبر لصدق إيمانه بالله.
  • تلاوة سورة الملك وحفظها: والرّسول -عليه الصّلاة والسّلام- أخبر أنّ سورة الملك وهي تبارك أنّها المانعة والمنجية من عذاب القبر والله أعلم.
  • الموت مرضًا بالبطن: وقد ورد فيما روي عن النّبي -صلى الله عليه وسلم- أنّ حصول النجاة من عذاب القبر يكون لمن مات بداءٍ من أدواء البطن.
  • الموت ليلة الجمعة: فالموت ليلة الجمعة أو في يومها من أسباب الوقاية من عذاب القبر وفتنته، وهو فضلٌ يعطيه الله لمن يشاء من عباده.
  • سائر العبادات والأعمال الصالحة: فالصلاة والصيام والزكاة والصدقة والإحسان والبرّ والحجّ وغيرها قد تكون سببًا في حماية المسلم من فتنة القبر، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنّه قال: “إنَّ المَيِّتَ إذا وُضِعَ في قبرِه إنَّه يسمعُ خفقَ نِعالِهم حين يُولونَ مُدبرينَ، فإنْ كان مؤمنًا كانتِ الصَّلاةُ عند رأسِهِ، وكان الصِّيامُ عن يمينِهِ، وكانتِ الزَّكاةُ عن شمالِهِ وكان فعلُ الخَيراتِ مِن الصَّدقةِ والصَّلاةِ والمَعروفِ والإحسانِ إلى النَّاسِ عندَ رجلَيْهِ فيُؤتَى مِن قِبَلِ رأسِهِ فتقولُ الصَّلاةُ ما قِبَلي مَدخلٌ، ثمَّ يُؤتَى عن يمينِهِ فيقولُ الصِّيامُ ما قِبَلي مَدخلٌ ، ثمَّ يُؤتَى عن يسارِهِ فتقولُ الزَّكاةُ: ما قِبَلي مَدخلٌ، ثمَّ يُؤتَى من قِبَلِ رجلَيْهِ فيقولُ فِعلُ الخَيراتِ من الصَّدقةِ والصَّلاةِ والمعروفِ والإحسانِ إلى النَّاسِ: ما قِبَلي مَدخلٌ”. [8]

ما الفرق بين فتنة القبر وعذابه

بعد الخوض والاطّلاع على ما هي فتنة القبر فإنّ من المهم بيان الفرق بين عذاب القبر وفتنته، أمّا فتنة القبر فهي ما يكون من سؤال الملكين للميّت أوّل نزوله للقبر، أمّا عذاب القبر فهو ما يناله الإنسان من عذاب في عالم البرزخ إلى يوم القيامة، وهو يكون لمن يتسحقّه من الكفّار والمذنبين، أمّا المؤمن المسلم الصّالح فلا عذاب عليه، أمّا كيفيّة العذاب وماهيته في القبر فعلمها عند الله، وعذاب القبر صحيحٌ وثابت وفي الأدلّة الشرعية ما جاء يثبته ويؤكّده والله ورسوله أعلم.[9]

ما معنى فتنة المحيا والممات

قبل ختام مقال ما هي فتنة القبر فإنّ مسألةٌ أخرى مهمّة ينبغي توضيحها، وهي فتنة المحيا والممات، وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الكثير من أحاديثه أنّه كان يتعوّذ في دعائه من فتنة المحيا والممات، والفتنة في لسان العرب هي ما يعرف بالسّؤال أو الاختبار والامتحان، وقد بين أهل العلم معنى فتنة المحيا فقالوا أنّها الفتن التي يلاقيها المسلم في حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات والمعاصي والبدع، أمّا فتنة الممات، فيمكن أن يكون المقصود بها ما يتعرّض له المسلم عند موته واحتضاره، فقد يعرض له الشيطان في آخر لحظاته، ويحاول أن يضلّه عن السبيل، فسمّيت فتنة الممات لقربها من دنوّ الأجل، ويمكن أن تكون فتنة القبر ذاتها فالإنسان يفتتن في قبره، ويمكن أن تجمع فتنة الممات بين ما يكون من فتنةٍ قرب الموت ودنو الأجل وما يكون بعده في القبر ولله أعلم.[10]

إلى هنا نختتم مقال ما هي فتنة القبر، والذي تحدّث عن الحياة والموت والحكمة منهما، وبيّن معنى فتة القبر وحال المؤمن والكافر فيها، وميّز بينها وبين ضمّة القبر وعذاب القبر، وكذلك عرّف القبر مفهومًا ومعنى، ودلّ على الأعمال المنجية من فتنة القبر، وختم ببيان فتنة المحيا والممات.

المراجع

  1. صحيح الجامع , الألباني/ البراء بن عازب/ 1676/ صحيح
  2. سورة الملك , الآية 2
  3. سورة البقرة , الآية 29
  4. alukah.net , ثبوت فتنة القبر وماهيتها وكيفيتها , 19/12/2021
  5. dorar.net , ضمَّة القبرة , 19/12/2021
  6. الجامع الصغير , السيوطي/ عثمان بن عفان/ 2079/ صحيح
  7. islamweb.net , كيف ينجو الإنسان من عذاب القبر ؟ , 19/12/2021
  8. صحيح الترغيب , الألباني/ أبو هريرة/ 3561/حسن
  9. islamweb.net , عذاب القبر ونعيمه ثابت بالنصوص , 19/12/2021
  10. islamqa.info , معنى فتنة المحيا والممات , 19/12/2021

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *