قصة تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

قصة تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، كثيرون من يحفظون هذه العبارة لكن معظمهم لا يعرفون من قائلها ولا يعرفون القصص التي اقترنت معانيها بها، وقليلون من يعرفون أن هذه الكلمات هي جزء من قصيدة رائعة لشاعر من كبار الشعر العربي، وفي هذا المقال سيقدم موقع المرجع معلومات عن هذه العبارة من خلال الحديث عن القصيدة التي تنتمي إليها، ثم التطرق إلى القصص التي اقترنت بمعناها مما تناقله الناس وتداولوه فيما بينهم،.

قصيدة المتنبي تجري الرياح

تنتمي مقولة تجري الرياح بما لا تشتهي السفن إلى واحدة من أجمل قصائد الدواوين العربية، وهي قصيدة للمتنبي الذي كان وما زال في مقدمة رموز الشعر العربي المجيدين والحكماء ممن نثروا أشعارهم فطارت إلى السماء وبقي الناس يهتدون بشعاعها كما النجوم التي تدل التائهين في الصحراء. وقد وردت عبارة تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ضمن قصيدة طويلة مما جاء فيها:

ما كُلُّ ما يَتَمَنّى المَرءُ يُدرِكُهُ
تَجري الرِياحُ بِما لا تَشتَهي السُفُنُ
رَأَيتُكُم لا يَصونُ العِرضَ جارُكُمُ
وَلا يَدِرُّ عَلى مَرعاكُمُ اللَبَنُ
جَزاءُ كُلِّ قَريبٍ مِنكُمُ مَلَلٌ
وَحَظُّ كُلِّ مُحِبٍّ مِنكُمُ ضَغَنُ
وَتَغضَبونَ عَلى مَن نالَ رِفدَكُمُ
حَتّى يُعاقِبَهُ التَنغيصُ وَالمِنَنُ
فَغادَرَ الهَجرُ ما بَيني وَبَينَكُمُ
يَهماءَ تَكذِبُ فيها العَينُ وَالأُذُنُ

شاهد أيضًا: لماذا سمي المتنبي بهذا الاسم

قصة تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

ارتبطت هذه المقولة بقصص عديدة في أذهان الناس، وربما تذكروها في كل مرة خالفت فيها مشيئة السماء أمانيهم، إلا أن أبا الطيب المتنبي كتب قصيدته بعد أن نقل خبر وفاته إلى بلاط سيف الدولة وتم نعيه مع أنه حي يرزق، فكتب قصيدته (بم التعلل) وأودعها معاني الفخر والعتاب والحكمة، وحين قال بيته الشهير (ما كل ما يتمنى المرء..) فقد رمى بذلك إلى كلمة القدر التي قد تخالف أمنيات البشر حيث رمز للأمنيات والمطامح بالسفينة كما رمز للقدر والواقع بالرياح التي قد تخالف اتجاهات السفن وتعطل حركتها، وفي قوله إشارة إلى أن بقاءه على القيد الحياة يخالف ما يتمناه أعداءه الذين لفقوا أكذوبة موته.

قصة أخرى عن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن

وعلى منوال معنى العبارة نسجت حكايات كثيرة وحيكت قصص تفضي إلى وقوف القدر ضد رغائب البشر في أوقات كثيرة مما فيه حكمة للناس وموعظة لمن يحسب أنه يمسك مقادير حياته جميعا، ومن القصص التي يمكن الاستفادة منها في هذا المعنى ستقدم السطور التالية قصتين مختلفتين عن الريح:

قصة أن الرياح لا تشتهي السفن

روي أن شابا طموحا كان مقبلا على الحياة واثقا بنفسه، ولم يكن به أدنى شك من أنه سيكون ذا شأن مهم في الحياة، كان رياضيا ذا لياقة وأناقة وسيما رشيقا تحيط به المعجبات والعيون الحاسدات، وكان كثير التباهي بنفسه لا يفلت مناسبة دون أن يستعرض مهاراته ويباهي بمخططاته وأمجاده التي يراها وكأنها أقدار مقدرة، كان مترفا وحيدا لأبويه الذين وفرا له كل ما أراد لفرط حبهما، وذات مرة نشب حريق في منزل الشاب وأودى بحياة أبيه وسلبه وسامته وأعجزه عن الحركة كما السابق، فانهارت آماله وأحلامه دفعة واحدة، فصار الناس يقولون إن الرياح جرت عكس سفنه واختلفوا بين حزن وعظة وشماتة، ومرت الأيام وبدأ الشاب بالتعافي وهم في علاج حروق جسده وعادت عزيمته له، لكنه بعد ذلك لم يعزم على فعل أي شيء دون أن يقول في السر والعلن (إن شاء الله).

شاهد أيضًا: قصص واقعية مكتوبة

قصة تشغيل الريح الثانية

وأكثر ما يذكر في أثر الريح أنها كانت سبب فوز المسلمين في غزوة الأحزاب، حيث أيد الله المسلمين بقدرته وسخر لهم الطبيعة، وقد ذكر هذا الأمر في القرآن الكريم في سورة حملت اسم الغزوة ذاته وهي سورة الأحزاب، وفي ذلك قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا}[1] حيث أرسل الله ريحا على جند الأحزاب عصفت بخيامهم وأرعبتهم ومن على المسلمين بالنصر بتشغيل الريح لهم، وبهذا هبت الريح بما لا يشتهي أعداء الدين الحنيف واقترن ذكر الريح وقوتها في الثقافة الإسلامية بتلك الغزوة وبنصر الله ونفوذ مشيئته.[2]

معنى عبارة تجري الرياح

إن المعنى المباشر لمقولة تجري الرياح بما لا تشتهي السفن هو أن اتجاه الريح أحيانا يكون معاكسا لمسار السفن والوجهة التي تعبر إليها، لكن هذا المعنى سطحي يقصد به معنى أعمق، فليست السفينة بعينها هي المقصودة فالسفينة هي كل مراد يسعى إليه الإنسان وكل خطوة يخطوها وكل أمل يرجوه، أما الرياح فهي كل ما يمكن أن يحول دون تحقيق الأمنيات وبلوغ المآرب، لذلك على المرء أن يكون مستعدا لكل الظروف وأن يتوقع أي طارئ وأن لا يعتقد بحتمية أمر هو فاعله بل أن يربط حياته ومساعيه بمشيئة الله وتأييده وتوفيقه.

مثل الريح تجري فيما لا تريده السفن

ومن يتأمل في معنى تجري الرياح بما لا تشتهي السفن يجد أن هذه المقولة تجسد صراع الإنسان مع الحياة والصدمة التي تصيبه حين تأخذه الدنيا بعيدا عما تمناه، فهذا الأمر ينطبق على الكثير من الظروف والمشاكل التي تطرأ، فحين يتمنى الإنسان أن يدرس مجالا علميا ولا تسمح له الأقدار يرى أن الريح تعاكس سفنه، وحين يسعى لعمل ما ولا يحصل عليه تعاكس الريح سفنه، وحين يحب أحدا ولا يصل إليه تعصف الريح بسفنه، فهذه الصورة مثالا ينطبق على حيوات الناس ويتجدد بأشكال مختلفة وستبقى رياح القدر تجري بما لا تشتهيه السفن إلا أن يشاء الله فهو مالك الأمر وهو العلي القدير.

قصيدة عن الرياح

ولشدة شهرة قصيدة المتنبي ولانتشار البيت الذي تناول جريان الرياح حاول الكثير من الشعراء تقليد هذا المعنى والغزل على منواله، وثمة أبيات قصدت إلى معانٍ عكس التي وردت في بيت المتنبي، وأكثرها شهرة أبيات تبعث على التفاؤل والأمل وتشحذ الهمم جاء فيها:

تجري الرياح كما تجري سفينتنا
نحن الرياح و نحن البحر و السفن ُ
إن الذي يرتجي شيئاً بهمّتهِ
يلقاهُ لو حاربَتْهُ الانسُ والجنُّ
فاقصد إلى قمم الاشياءِ تدركها
تجري الرياح كما رادت لها السفنُ

شاهد أيضًا: شعر مساء الخير قصير

شعر المتنبي

لقد اشتهر المتنبي بشعره في الحكمة، وكتب أشعارا من أبلغ قصائد الديوان العربي، وحفظ الناس عنه الكثير الذي ما يزال يتداول بينهم إلى يومنا هذا، ومن أجمل ما كتب في الحكمة:

  • من جميل ما قاله في قصيدته اللامية:

لَولا المَشَقَّةُ سادَ الناسُ كُلُّهُمُ
الجودُ يُفقِرُ وَالإِقدامُ قَتّالُ
وَإِنَّما يَبلُغُ الإِنسانُ طاقَتُهُ
ما كُلُّ ماشِيَةٍ بِالرَحلِ شِملالُ
إِنّا لَفي زَمَنٍ تَركُ القَبيحِ بِهِ
مِن أَكثَرِ الناسِ إِحسانٌ وَإِجمالُ

  • ومما قاله في الطموح وأهمية السعي:

إِذا غامَرتَ في شَرَفٍ مَرومٍ
فَلا تَقنَع بِما دونَ النُجومِ
فَطَعمُ المَوتِ في أَمرٍ صَغيرٍ
كَطَعمِ المَوتِ في أَمرٍ عَظيمِ

  • كما قال في رثاء امرأة مؤكدا قيمة المرأة وتساويها بالرجل وامتيازها عليه أحيانا:

وَلَو كانَ النِساءُ كَمَن فَقَدنا
لَفُضِّلَتِ النِساءُ عَلى الرِجالِ
وَما التَأنيثُ لِاِسمِ الشَمسِ عَيبٌ
وَلا التَذكيرُ فَخرٌ لِلهِلالِ

بهذا القدر ينتهي المقال بعد أن تناول قصة تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، فقد تم شرح معنى المقولة وأصلها والقصيدة التي تنتمي إليها في الشعر كما تم التطرق إلى القصص التي حفظها الناس مما يفضي إلى معنى العبارة نفسه، ولم يغفل المقال شرح المعنى العميق لهذه العبارة التي يرددها الناس منذ مئات السنين وحتى يومنا هذا كلما جرت الرياح بما لا تشتهيه سفنهم.

المراجع

  1. سورة الأحزاب , الآية 9.
  2. surahquran.com , يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم , 20/01/2022

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *