المرجع الموثوق للقارئ العربي

لماذا كان التوحيد سببا للتمكين في الأرض

لماذا كان التوحيد سببا للتمكين في الأرض من الله -سبحانه وتعالى- للمسلمين؛ فالتوحيد هو إفراد الله تعالى بالعبودية دون غيره، وهو أن يتِّبعَ المسلم في كلِّ أعماله أوامر الله تعالى ويجتنب نواهيه، وتبيانًا للسبب الكامن في كون التوحيد أساسًا للتمكين في الأرض يهتمُّ موقع المرجع في هذا المقال بالحديث عن معنى التمكين وآياته وشروطه في الأرض، كما يهتمُّ بتعريف التوحيد وأهميته وفضله وأقسامه ومنزلته.

معنى التمكين في الأرض

إنَّ التمكين في الأرض هو الجزاء الدنيوي من الله -سبحانه وتعالى- للمسلمين الذين استقاموا، وهو جزاء الله للذين اهتدوا وعملوا بأوامرهِ واجتنبوا نواهيَهُ، وهو وعد من الله تعالى للمؤمنين الذين أحسنوا خلافة الله في الأرض، حيث وعدهم بالنصر والتمكين والقوة في الدنيا، ووعدهم بالثواب الجزيل في يوم القيامة، قال تعالى في سورة النور: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}[1] قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: “هذا وعد الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض أي أئمة الناس والولاة عليهم وبهم تصلح البلاد وتخضع لهم العباد، ،ليبدلنهم من بعد خوفهم من الناس أمنا وحكما فيهم، وقد فعله تبارك وتعالى وله الحمد والمنة”، والله تعالى أعلم.[2]

لماذا كان التوحيد سببا للتمكين في الأرض

لقد كان التوحيد سببا للتمكين في الأرض لأنَّه وعد الله تعالى للمؤمنين، فالله تعالى في كثير من الآيات القرآنية المباركة وعد الموحدين المؤمنين من عباده بالتمكين والقوة إنْ هُم آمنوا وعملوا بمقتضى هذا الإيمان؛ فاتبعوا أوامر الله تعالى وأفردوه بالعبودية دون غيره، ولم يشركوا به أحدًا، وفيما يأتي نذكر الدليل الشرعي على أن التوحيد سبب التمكين في الأرض:

دليل على أن التوحيد سبب التمكين في الأرض

إنَّ الأدلة الشرعية على أنَّ التوحيد هو سبب التمكين في الأرض كثيرة، ويتضِّح معنى أنَّ الإيمان بالله تعالى حق الإيمان، وإفراد الله سبحانه بالعبودية دون غيره سبب التمكين في الأرض في سورة الحج، قال تعالى: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}[3] والله تعالى أعلم.[4]

شاهد أيضًا: انواع التوحيد في سورة الفاتحة

تعريف التوحيد

إنَّ التوحيد في اللغة نصدر من الفعل وحَّد، يوحِّد، ومعناه إفراد الشيء وجعله واحدًا، ويتمُّ التوحيد في اللغة من خلال نفي الصفة عن كلِّ شيء، وإثباته على شيء بعينه، أمَّا في الاصطلاح فالتوحيد هو إفراد الله تعالى بالعبودي دون غيره، وهو نفي التعدد في الصفات والأفعال عن الله تبارك وتعالى، وهو الإيمان المطلق بأنَّ الله تعالى واحد لا شبيه له في صفاته وأفعاله، ويتحقق التوحيد في الإسلام من خلال النطق بالشهادتين؛ أي أن يقول المُسلم: “أشهد ألَّا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمدًا رسول الله”، ففي هذه العبارة يتجلَّى معنى التوحيد، توحيد الخالق في العبودية والربوبية، وفيما يأتي سوف نتحدَّث عن أنواع التوحيد ومنزلته وفضله:[5]

أنواع التوحيد

إنَّ للتوحيد في الإسلام أنواعًا معينة تتعلَّق بإفراد الله -سبحانه وتعالى- في كل ما يخصه من صفات وأفعال وعبودية، وقد حددها أهل العلم على أنَّها:[5]

  • توحيد الربوبية: هو التوحيد الذي يقوم على إيمان المسلم بأنَّ الله سبحانه وتعالى هو المنفرد بالخلق والمُلك والتدبير في هذا الكون، فالله تعالى رب كلُّ شيء وهو خالق كلِّ شيء ومدبر الأمر في كلِّ شيء.
  • توحيد الألوهية: هو أن يوحِّد المؤمن الله تعالى في العبودية، فلا يعبد سواه ولا يشرك معه إلهًا آخر، قال تعالى في سورة المائدة: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ}[6].
  • توحيد الأسماء الحسنى والصفات العليا: وهو أن يؤمن الإنسان أنَّ صفات الله تعالى لا يمكن أن تكون لأحد غيره، وهي صفات حقيقية لا مجازية، والله تعالى أعلم.

منزلة التوحيد

استكمالًا لما داء من لماذا كان التوحيد سببا للتمكين في الأرض، إنَّ التوحيد هو أن يفرِدَ المسلم الله تعالى بالعبادة والألوهية والربوبية والأسماء والصفات، ويتحقق من خلال النطق بالشهادتين اللتين هما أول خطوة لدخول المرء في الإسلام، وهذا يظهر المنزلة الرفيعة العظيمة التي يمتلكها التوحيد في الإسلام، أول ما يجب على المرء إن أسلم، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في هذه المسألة: “إن السَّلف والأئمة متفقون على أنَّ أول ما يؤمر به العباد الشهادتان، ومتفقون على أنَّ من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقب البلوغ”، والله تعالى أعلم.[7].

فضل التوحيد

يكمن فضل التوحيد في الإسلام في النصوص الشرعية الكثيرة التي تحدَّثت عنه وأمرت به،فهو أول واجب على المؤمن وهو أول ما يُؤمر به المسلم في حياته، وفيما يأتي نذكر بعض النصوص الشرعية التي تُظهر فضل وأهمية التوحيد في الإسلام:[8]

  • عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: “مَن قالَلا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ له، له المُلْكُ وله الحَمْدُ، وهو علَى كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ. في يَومٍ مِئَةَ مَرَّةٍ، كانَتْ له عَدْلَ عَشْرِ رِقابٍ، وكُتِبَ له مِئَةُ حَسَنَةٍ، ومُحِيَتْ عنْه مِئَةُ سَيِّئَةٍ، وكانَتْ له حِرْزًا مِنَ الشَّيْطانِ، يَومَهُ ذلكَ حتَّى يُمْسِيَ، ولَمْ يَأْتِ أحَدٌ بأَفْضَلَ ممَّا جاءَ إلَّا رَجُلٌ عَمِلَ أكْثَرَ منه”[9].
  • قال تعالى في سورة الأنبياء: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ}[10].

التوحيد سبب لتفريج الكربات

إنَّ للتوحيد في حياة الإنسان فضلًا عظيمًا، وآثارًا كريمة تتجلَّآ هذه الآثار في كونِ التوحيد سببًا من أسباب تفريج الهموم والنوائب والكربات، وأنَّه سبب في بسط الرزق وفي تحقيق الأمن والراحة من الله تبارك وتعالى، قال تعالى في سورة الأنعام: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ}[11] لذلك يجب على المسلم أن يلهج لسانه بالتوحيد في كل وقت وحين، وأن يكون قلبه موحدًا بالقول والعمل، فتوحيد الله تعالى شرط رئيس في صحة إسلام المسلم، وهو سبب من الأسباب التي إن اتخذها المسلم فرَّج الله تعالى عنه الكُربات وأبعد عنه الهموم والمصائب والنوائب، والله تعالى أعلم.[12]

شاهد أيضًا: ما اعلى مرتبه من مراتب الدين

آيات التمكين في الأرض

توجد في القرآن الكريم الكثير من الآيات التي تتحدَّث عن تمكين الله تعالى لعبادة المؤمنين في الأرض، وفيما يأتي نذكر بعض هذه الآيات المباركة:

  • قال تعالى في سورة البقرة: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}[13].
  • قال تعالى في سورة القصص: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ}[14].
  • قال عز وجل: {قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ}[15].
  • قال تبارك وتعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}[16].

شاهد أيضًا: ابحث في كتاب الله عن الايات التي جاء فيها ذكر الؤلؤ مع تقديم تفسير ميسر لها

شروط التمكين في الأرض

في ختام ما ورد من لماذا كان التوحيد سببا للتمكين في الأرض، جدير بالقول إنَّ للتمكين في الأرض شروطًا محددة، وهي:

  • أن يؤمن المؤمن بوحدانية الله تعالى حق الإيمان، وأن يكون هذا الإيمان مقرونًا بالعمل، فإذا لم يتحقق العمل لم يتحقق التمكين من الله تبارك وتعالى.
  • أن يصبر المؤمن وأن يتحلَّى بالثبات على أي نازل أو نائبة فالصبر هو من أهم شروط التمكين في الأرض من الله تعالى لعباده، وخاصة إذا دفع المسلم صبره في سبيل الدعوة إلى توحيد الله تعالى في الأرض.
  • أن يكون المؤمن على يقين بنصر الله تعالى، وأنَّ النصر إذا تأخر إنما تأخيره لحكمة بالغة، وأن الله تعالى سيحقق وعده للمؤمنين ولو بعد حين.
  • أن يطبق المؤمن الشريعة الإسلامية بأحكام الصحيحة التي أجمع عليها أهل العلم، فالتمكين لا يكون إذا لم يطبق المؤمن شرع الله تبارك وتعالى، والله تعالى أعلم.

إلى هنا نصل إلى نهاية هذا المقال الذي تحدثنا فيه عن لماذا كان التوحيد سببا للتمكين في الأرض وعن معنى التمكين وآياته وشروطه وعن كيف يكون التوحيد سببًا في تفريج الكربات، كما عرفنا التوحيد وتحدثنا عن أقسامه وفضله ومنزلته.

المراجع

  1. سورة النور , الآية 1.
  2. alukah.net , التمكين في الأرض للصالحين , 30-05-2021
  3. سورة الحج , الآية 40، 41.
  4. alukah.net , من آيات الاستخلاف والتمكين في القرآن , 30-05-2021
  5. islamway.net , ما هو تعريف التوحيد وما هي أنواعه؟ , 30-05-2021
  6. سورة المائدة , الآية 72.
  7. dorar.net , منزلة توحيد الألوهية , 30-05-2021
  8. wikiwand.com , التوحيد في الإسلام , 30-05-2021
  9. صحيح البخاري , البخاري، أبو هريرة، 6403، صحيح.
  10. سورة الأنبياء , الآية 88.
  11. سورة الأنعام , الآية 82.
  12. dorar.net , فوائد التوحيد , 30-05-2021
  13. سورة البقرة , الآية 30.
  14. سورة القصص , الآية 4، 5.
  15. سورة الأعراف , الآية 129.
  16. سورة الحج , الآية 41.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *